كيف عاش اللاجئون السوريون شهر رمضان في ألمانيا؟

Ramadan in Deutschland

كيف عاش اللاجئون السوريون شهر رمضان في ألمانيا؟

رمضان في ألمانيا كان كفيلاً بأن يكون غصة لدى البعض بسبب الحنين لتلك الأجواء في بلادهم. وبينما هم يتوقون لتلك الأجواء، عملت فئة أخرى على خلق أجواء فرح لا تقل عن تلك التي عاشوها في بلادهم.

لا شك أن شهر رمضان جاء هذ العام على اللاجئين السوريين في ألمانيا مختلفاً عما كانوا يعيشونه في بلدهم، قرع طبول المسحر، صوت الآذان قبل الإفطار والسحور، اجتماع العائلة وزينة الأسواق والباعة الجوالين الذين يتوسطون تلك الأسواق، ولعل أشد ما يفتقده السوريون هنا هو الألفة التي تميز تلك الموائد الرمضانية في بيوتهم، حيث يجتمع أفراد العائلة في منزل واحد بالتناوب خلال شهر رمضان، يحضّرون فيها أطباقاً مختلفة وعصائر متنوعة خُصَّ فيها شهر رمضان كالتمر هندي وقمر الدين والعرق سوس.

فيما تقدم أصناف مختلفة من الحلويات الشرقية بعد الانتهاء من الإفطار كالنابلسية والقطايف والمدلوقة والكنافة والمعروك . وعلى الرغم من توافر أغلب المكونات الأساسية لهذه المواد هنا، ولجوء البعض إلى صناعتها منزلياً إلا أن رائحة الحنين لا زالت تذهب بالبعض إلى موطنهم الأصلي "سوريا".

مبادرات لتعريف الألمان بشهر رمضان

Ramadan in Deutschland

يمنى الدمشقي

"إسراء سليم" كانت إحدى المبادرات في التعريف عن شهر رمضان لدى الألمان، إذ قامت بطباعة بطاقات باللغة الألمانية كتب عليها "شهر رمضان هو شهر صيام للمسلمين، يبدأ الصيام فيه من شروق الشمس إلى غروبها، يمتنع فيه المسلمون عن الطعام والشراب ويوجد في رمضان ليلة القدر التي نزل فيها القرآن على النبي محمد وهي ليلة يعتبرها المسلمون أهم ليالي السنة، وبعد انتهاء شهر رمضان يوزع المسلمون زكاة الفطر على الفقراء"

تعاونت إسراء مع أختها في صناعة 14 بطاقة مزودين بعلبة صغيرة فيها بعض حبات التمر التي ترمز إلى الشهر الفضيل، ووزعتاها على الأساتذة والمدرسات وبعض موظفي البلدية، ظناً منهما أن الكثير من الألمان يودون معرفة طقوس شهر رمضان.

وفي حديثها لموقع "في دي إر فور يو" تؤكد إسراء، أن السوريين تمكنوا من بناء علاقة جيدة مع المجتمع الألماني بحيث عرفوهم بشكل جميل عن ثقافتهم ما جعل الطرف الآخر يحترمها وتروي ما حدث معها ذات يوم "دعينا في رمضان إلى منزل عائلة ألمانية، وسألونا من أين نشتري اللحوم وبالفعل أقاموا لنا حفلة شواء واشتروا اللحوم من عند البائع التركي، بل عرضوا علينا أن نصلي المغرب إن وددنا في منزلهم! وكانت بادرة لطيفة جداً منهم"

وترى إسراء أنه على الرغم من التباين في العادات والتقاليد إلا أن المجتمع الألماني مجتمع منفتح على الطرف الآخر ويحاول جاهداً التعرف على ثقافته.

تفتقد إسراء كثيراً جو العائلة في ألمانيا فهي تعيش مع أختها وأخيها وحدهم هنا، في حين تركت كل عائلتها في سوريا، بل تفتقد رائحة الطعام التي تنفذ من بيوت جيرانها والتي تعرفك عن طبخة جارك، امتزاج تلك الروائح مع بعضها كان يخلق عندها جواً فريداً.

فوانيس رمضان في ألمانيا!

Ramadan in Deutschland

يمنى الدمشقي

أما "رنا عايد" فقد أحيت طقوس رمضان بطريقة مختلفة مع أختيها دعاء وصفا، إذ رغبت السيدة بإشراك أطفالهم في إعادتهم قليلاً إلى بلدهم سوريا، فاشترت عدة الزينة الرمضانية كالكرتون واللاصق واشترت فوانيس رمضان وباشرت مع أطفالها في صناعة الزينة فصنعت نجوماً وهلالاً، وعلقتها على نافذة المنزل ووضعت بجانبها حبالاً من الأضواء، سعد الأطفال كثيراً بهذا النشاط تقول "أقدمت على هذه الخطوة لأدخل الفرح إلى قلب أطفالي، وعملت جاهدة أن أعيش طقوس رمضان جميعها داخل منزلي، فصرت أضيء الأنوار جميعها وقت الإفطار وأشغل الأدعية الرمضانية قبله، حتى بدأ جيراني الألمان بسؤالي عن هذه الزينة بعدما صوروها وصرت أشرح لهم عن شهر رمضان وعن الخير الذي يحمله عند قدومه، وأن صيامنا لا يقتصر على الحرمان من الطعام والشراب بل الابتعاد عن الغيبة والنميمة أيضاً"
وتروي أنها حاولت أن تقدم لهم العصير في زيارتهم لها إلا أنهم رفضوا شربه باعتبار أنها و عائلتها صائمون.

تفتقد رنا كثيراً طقوس رمضان في سوريا، المسحر، التجوال في الأسواق بعد الإفطار، الوقوف أمام محلات الحلويات، صلاة التراويح، اجتماع العائلة والولائم التي تقام، لكنها تحاول جاهدة أن تخلق لنفسها بعض الطقوس التي اعتادت عليها.

لصحن البزروية نكهة خاصة

بينما "دانة حسونة" فلم يكن ما قامت بصنعه في استقبال شهر رمضان جديداً عليها، إذ قامت السيدة منذ بضعة أشهر باستثمار موهبتها في الفنون اليدوية مستخدمة حسها وذوقها الشرقي فيها، فقامت بصنع هدايا شرقية بناء على طلب زبائنها العرب الذين آثروا اختيار هذا النوع من الهدايا للتعريف عن تراثهم وإرثهم.

نسقت دانة مطاحن البن وبجانبها شيء يرمز للقهوة العربية مع بعض قطع الشوكولا في إشارة منها إلى تلازم هذه المواد الثلاث مع بعضها، كما اختارت صحناً وضعت فيه الفواكه المجففة كالتين والمشمش والتمر، في حين أن لصحن البزورية نكهة خاصة. إذ يحوي مجموعة من البزورات والمكسرات موضوعة بأكياس صغيرة من القش مرفقاً ببطاقة تعريف بشهر رمضان كتب عليها بعض العبارات باللغة الألمانية من مثل " رمضان هو شهر الخير للمسلمين، نحن نصوم فيه من الفجر وحتى الغروب، لا نتناول الطعام احتراماً لمشاعر الفقراء والجوعى وبهذا الشهر نتقرب إلى الله ونقوم بأعمال الخير الكثيرة " .

ووضع على البطاقة فانوس رمضاني في إشارة إلى المناسبة الرمضانية الخاصة بالمسلمين، وبجانب البطاقة وضعت علبة صغيرة عليها فانوس رمضاني أيضاً وبداخلها ثلاث تمرات، وتقول دانة "صنعتُ ما يزيد عن مئة علبة بناء على عدة طلبات جاءتني من العرب ، في محاولة منهم للتعريف عن الشهر الكريم"

ردود فعل الألمان متباينة

Ramadan in Deutschland

يمنى الدمشقي

وتتحدث دانة أن كل هذه المحاولات من زبائنها هي نوع من تبادل الثقافات بين الطرفين، فالكثير من الألمان يحاولون أيضاً التعريف بأعيادهم بأساليب مختلفة فأحد الجيران الألمان كان يضع في كل مناسبة وعيد هدايا في الصندوق البريدي الخاص بصديقتها، حتى في عيد العمال وضع لها بعض الشوكولا!
وترى دانة أن استقبال الألمان لهذا النشاط هو متباين، فعلى الرغم من أن البعض يبدي إعجابه الشديد بهذه المبادرات ويثني على القائمين عليها، إلا أن البعض الآخر لا يلقي لها بالاً ويتناولها بكل برود، إلا أنها تعتقد أن هذه المبادرات لا يجب أن تكون محصورة بشهر ما أو بفترة زمنية معينة بل يجب دائماً المبادرة بفعل الخير لأن التسامح والمحبة لا تقتصر فقط على شهر رمضان وتؤكد دانة أن الكثير ممن حولها يعمل جاهداً لتعزيز الاندماج مع المجتمع الألماني خاصة من خلال تبادل الثقافات بأفكار مختلفة، فالسيدة تتجهز حالياً للمشاركة في نشاط تنظمه مجموعة من السيدات العربيات في بوخوم لجمع الأطفال العرب في كنيسة وإحياء طقوس عيد الفطر عندهم وتشارك دانة في تنسيق العلب التي ستقدم هدايا للأطفال، أما الكبار فستقدم لهم علب عليها هلال رمضاني ونجوم وبداخلها حلوى سورية "معمول" وهذا يتناسب مع عيد الفطر، في حين أن لعيد الأضحى دلالة مختلفة وهي "خروف" في إشارة إلى الأضاحي التي يقوم بها المسلمون.

تحاول دانة جاهدة ألا تطرق في ألمانيا لمواضيع الدين والسياسة، حتى شهر رمضان تحاول أن لا تناقش فيه الطواهر الدينية مع الألمان على الرغم من أنه شهر ديني لكي لا تقع في سجالات لا منتهية معهم. فدانة ترى أن الأخلاق والمعاملة هي أول من "يعرفنا عن ديننا لا الجدالات التي لا فائدة منها".

يمنى الدمشقي